الغزالي
34
المستصفى
لو قلنا ، ومعلوم أن الصلاة ليست صحيحة فلا يلزم من هذا كون المصلي متطهرا ، ولا كونه غير متطهر ، وتحقيق لزوم النتيجة من هذا النمط أنه مهما جعل شئ لازما لشئ فينبغي أن لا يكون الملزوم أعم من اللازم ، بل إما أخص أو مساويا ، ومهما كان أخص فثبوت الأخص بالضرورة يوجب ثبوت الأعم ، إذ يلزم من ثبوت السواد ثبوت اللون ، وهو الذي عنيناه بتسليم عين اللازم ، وانتفاء الأعم يوجب انتفاء الأخص بالضرورة ، إذ يلزم من انتفاء اللون انتفاء السواد ، وهو الذي عنيناه بتسليم نقيض اللازم ، وأما ثبوت الأعم فلا يوجب ثبوت الأخص ، فإن ثبوت اللون لا يوجب ثبوت السواد ، فلذلك قلنا : تسليم عين اللازم لا ينتج ، وأما انتفاء الأخص ، فلا يوجب انتفاء الأعم ولا ثبوته ، فإن انتفاء السواد لا يوجب انتفاء اللون ولا ثبوته ، وهو الذي عنيناه بقولنا إن تسليم نقيض المقدم لا ينتج أصلا ، وإن جعل الأخص لازما للأعم فهو خطأ ، كمن يقول إن كان هذا لونا فهو سواد ، فإن كان اللازم مساويا للمقدم أنتج منه أربع تسليمات كقولنا إن كان زنا المحصن موجودا فالرجم واجب ، لكنه موجود فإذا هو واجب لكنه واجب ، فإذا هو موجود ، لكن الرجم غير واجب ، فالزنا غير موجود ، لكن زنا المحصن غير موجود ، فالرجم غير واجب ، وكذلك كل معلول له علة واحدة ، كقولنا : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكنها طالعة فالنهار موجود ، لكن النهار موجود ، فهي إذا طالعة ، لكنها غير طالعة ، فالنهار غير موجود ، لكن النهار غير موجود ، فهي إذا غير طالعة . النمط الثالث : نمط التعاند : وهو على ضد ما قبله والمتكلمون يسمونه السبر والتقسيم ، والمنطقيون يسمونه الشرطي المنفصل ، ويسمون ما قبله الشرطي المتصل ، وهو أيضا يرجع إلى مقدمتين ونتيجة ، ومثاله ، العالم إما قديم وإما حادث ، وهذه مقدمة وهي قضيتان ، الثانية أن تسلم إحدى القضيتين أو نقيضها ، فيلزم منه لا محالة نتيجة ، وينتج فيه أربع تسليمات فإنا نقول لكنه حادث فليس بقديم ، لكنه قديم فليس بحادث ، لكنه ليس بحادث ، فهو قديم ، لكنه ليس بقديم فهو حادث ، وبالجملة : كل قسمين متناقضين متقابلين إذا وجد فيهما شرائط التناقض كما سبق فينتج إثبات أحدهما نفي الآخر ، ونفي أحدهما إثبات الآخر ، ولا يشترط أن تنحصر القضية في قسمين ، بل شرطه أن تستوفي أقسامه ، فإن كانت ثلاثة فإنا نقول العدد إما مساو أو أقل أو أكثر ، فهذه ثلاثة لكنها حاصرة ، فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين ، وإبطال اثنين ينتج إثبات الثالث ، وإثبات واحد ينتج انحصارا الحق في الآخرين في أحدهما لا بعينه ، والذي لا ينتج فيه انتفاء واحد هو أن لا يكون محصورا ، كقولك : زيد إما بالعراق وإما بالحجاز ، فهذا مما يوجب إثبات واحد نفي الآخر ، أما إبطال واحد فلا ينتج إثبات الآخر ، إذ ربما يكون في صقع آخر ، وقول من أثبت رؤية الله بعلة الوجود يكاد لا ينحصر كلامه ، إلا أن نتكلف له وجها ، فإن قول مصحح الرؤية لا يخلو إما أن يكون كونه جوهرا فيبطل بالعرض أو كونه عرضا فيبطل بالجوهر أو كونه سوادا أو لونا ، فيبطل بالحركة فلا تبقى شركة لهذه المختلفات إلا في الوجود ، وهذا غير حاصر ، إذ يمكن أن يكون قد بقي أمر آخر مشترك سوى الوجود لم يعثر عليه الباحث مثل كونه بجهة من الرائي مثلا ، فإن أبطل